ابن أبي الحديد
293
شرح نهج البلاغة
جعل شهوته تحت قدميه فرق الشيطان من ظله ، ومن غلب علمه هواه فهو الغالب . وقال بعضهم : الدنيا تبغض إلينا نفسها ونحن نحبها ، فكيف لو تحببت إلينا ! وقال بعضهم : الدنيا دار خراب ، وأخرب منها قلب من يعمرها ، والجنة دار عمران ، وأعمر منها قلب من يطلبها . وقال يحيى بن معاذ : العقلاء ثلاثة : من ترك الدنيا قبل أن تتركه ، وبنى قبره قبل أن يدخله ، وأرضى خالقه قبل أن يلقاه . وقال بعضهم : من أراد أن يستغنى عن الدنيا بالدنيا كان كمطفئ النار بالتبن . ومن كلام بعض فصحاء الزهاد : أيها الناس اعملوا في مهل ، وكونوا من الله على وجل ، ولا تغتروا بالأمل ، ونسيان الاجل ، ولا تركنوا إلى الدنيا ، فإنها غدارة غرارة خداعة ، قد تزخرفت لكم بغرورها ، وفتنتكم بأمانيها ، وتزينت لخطابها ، فأضحت كالعروس المتجلية ، العيون إليها ناظرة ، والقلوب عليها عاكفة ، والنفوس لها عاشقة . فكم من عاشق لها قتلت ، ومطمئن إليها خذلت ! فانظروا إليها بعين الحقيقة ، فإنها دار كثرت بوائقها ، وذمها خالقها ، جديدها يبلى ، وملكها يفنى ، وعزيزها يذل وكثيرها يقل ، وحيها يموت ، وخيرها يفوت ، فاستيقظوا من غفلتكم ، وانتبهوا من رقدتكم ، قبل أن يقال : فلان عليل ، ومدنف ثقيل ، فهل على الدواء من دليل ، وهل إلى الطبيب من سبيل ؟ فتدعى لك الأطباء ، ولا يرجى لك الشفاء ، ثم يقال : فلان أوصى ، وماله أحصى ، ثم يقال : قد ثقل لسانه فما يكلم إخوانه ، ولا يعرف جيرانه ، وعرق عند ذلك جبينك ، وتتابع أنينك ، وثبت يقينك ، وطمحت جفونك ، وصدقت ظنونك ، وتلجلج لسانك ، وبكى إخوانك ، وقيل لك : هذا ابنك فلان ، وهذا أخوك